
حين تُعاد صياغة العبادات على مقاس الحياة… من يضبط الميزان؟
في سابقة لم تعرفها الأمة عبر قرونها،أعلنت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة تعديل موعد إقامة صلاة الجمعة في جميع مساجد الدولة، ليصبح في تمام الساعة 12:45 ظهراً، ابتداء من يوم الجمعة الموافق الثاني من يناير 2026.
وعن توحيد وتثبيت موعد صلاة الجمعة في جميع مساجد دولة كاملة، وربطه بتوقيت إداري ثابت، لا يتغير بتغير الفصول ولا بدخول الوقت الشرعي من عدمه، تحت مسمى “المواءمة المجتمعية” و“الاعتبارات الإنسانية”.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تُنظَّم العبادات وفق أحكام الشرع، أم يُعاد الشرع تفسيره ليلائم جداول العمل؟
أولًا: وقت الجمعة… عبادة مرتبطة بالوقت لا بالإدارة
أجمع الفقهاء على أن صلاة الجمعة لا تصح قبل زوال الشمس (أي دخول وقت الظهر)، وهو قول:
جمهور العلماء: المالكية والشافعية والحنابلة
وبه قال أكثر الصحابة والتابعين
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: 9]
والنداء المعتبر عند العلماء هو الذي يكون بعد الزوال، لا قبله.
قال الإمام النووي رحمه الله:
“لا تصح الجمعة قبل الزوال عندنا، وبه قال جمهور العلماء.”
وقال ابن قدامة:
> “لا نعلم خلافًا في أن النبي ﷺ لم يُصلِّ الجمعة إلا بعد الزوال.”
ثانيًا: القول بامتداد وقت الجمعة لا يبرر تثبيت وقتٍ سابق
القول بأن “وقت الجمعة يمتد من الظهر إلى العصر” صحيح من حيث الأصل،
لكنه مشروط بدخول وقت الظهر فعلًا، لا بتقديره إداريًا.
العلماء فرقوا بين:
سعة الوقت بعد دخوله
وتعجيل الصلاة قبل دخول وقتها (وهو غير جائز)
فالعبادات تُؤدّى عند تحقق سببها الشرعي، لا قبل ذلك ولا باحتماله.
ثالثًا: هل تُغيَّر شعائر الإسلام لأن الناس تغيّر نمط حياتهم؟
الاستدلال بأن:
الجمعة أصبحت يوم عمل
أو أن هناك طلابًا ومتقاعدين وكبار سن
ليس مسوغًا شرعيًا لتغيير هيئة عبادة جم*اعية منصوصة
قال الإمام الشاطبي:
“العبادات مبناها على التوقيف، لا على المصالح المرسلة.”
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
“ما لم يفعله النبي ﷺ مع وجود سببه، ففعله بدعة.”
فهل كان الناس في عهد النبي ﷺ بلا أشغال؟
ألم يكن فيهم تجار، ومزارعون، ومجاهدون، ومسافرون؟
ومع ذلك… لم تُقدَّم الجمعة لأجل العمل، بل تُرك العمل لأجل الجمعة.
رابعًا: من يكيّف من؟ الشرع أم الواقع؟
الخطورة الحقيقية ليست في التوقيت ذاته،
بل في المنهج:
حين تصبح الشعائر قابلة لإعادة الجدولة
وحين يُعاد تعريف “الوقت الشرعي” بلغة الدراسات المجتمعية
وحين يُقال: ليس فتوى جديدة لكن النتيجة تغيير في التطبيق
فهنا لا نتــ. ــحدث عن مسألة فرعية…
بل عن تحويل الدين من مرجعية إلى متغير تابع.
الخلاصة
صلاة الجمعة شعيرة توقيفية
لا تُضبط إلا بدخول وقتها الشرعي الحقيقي
والمصلحة لا تُقدَّم على النص
ولا تُغيَّر العبادات الجم*اعية لتوافق نمط الحياة، بل يُضبط نمط الحياة على إيقاع العبادة
الدين لم يأتِ ليكون مرنًا مع الواقع…
بل ليُقوِّم الواقع ويهذّبه.
مصادر الخبر
الامارت اليوم وغيرها من الصحفمن الصحف


