قصص و روايات

رجل كبير

تنويه: هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.

ساعدت راجل كبير في السن وقع في الشارع من شدة الحر لكن بالليل، لقيت ورقة كان حطها في جيبي من غير ما أحس، وأول ما قريتها إيديا بدأت تترعش.

الشهر اللي فات، القاهرة كانت بتمر بموجة حر من أسوأ اللي شوفتها في حياتي. حر مش بس بيلسع جلدك؛ لأ، كان بيكتم على صدرك، ينشف ريقك، ويخلي الدنيا كلها ساكتة بشكل غريب. بعد الضهر، الشوارع كانت شبه فاضية، والناس اللي تقدر تقعد في بيوتها ماكنتش بتنزل. حتى الشوارع اللي عمرها ما بتهدى، كانت شبه مهجورة تحت الشمس القاسېة.

كنت لسه مخلصة شغلي في المخبز، وكل اللي بفكر فيه إني أروح، أستحمى، وأرتاح. لكن وأنا معدية جنب موقف الأتوبيس، شوفته. راجل كبير في السن قاعد لوحده على الكرسي. كان لابس شيك رغم الحر؛ قميص أزرق فاتح، بنطلون غامق، وجزمة بنية متلمعة. شعره الأبيض كان متسرح بعناية، لكن وشه كان أحمر ومغرق عرق، وإيديه كانت بتترعش.

قربت منه: “يا حاج، حضرتك كويس؟”
رفع عينيه وبصلي، لكن نظرته كانت مشوشة: “أنا كويس يا بنتي، مستني الأتوبيس بس.”
صوته كان ضعيف جدًا، ومكانش فيه أي أتوبيس جاي. سألته: “معاك مية؟”
قبل ما يرد، وقع على الأرض. لثانية واحدة مرعبة اتجمدت مكاني، وبعدين رميت شنطتي وجريت عليه. اتصلت بالإسعاف وإيديا بتترعش، وحاولت أهدي من روعه لحد ما وصلوا. قبل ما يقفلوا باب الإسعاف، عبدالرحمن مد إيده ومسك رسغي وقال: “شكرًا يا سلمى.. أنا مش هنسى اللي عملتيه.”

بالليل، رجعت شقتي وفضيت جيوبي على الرخامة. وقعت ورقة صغيرة متطبقة، كنت متأكدة إنها ماكنتش في جيبي الصبح. مسكتها بحذر، وأول ما قريت الكلمات اللي مكتوبة بخط عبدالرحمن المهزوز، إيديا بدأت تترعش لدرجة إن قلبي دق بسرعة.

كان مكتوب: “يا بنتي، لو تقري الكلام ده، اعرفي إنك الوحيدة اللي قدرت أسلمها الأمانة دي. خدي العنوان ده: (شارع النصر، عمارة خيالية)، وروحي هناك قبل ما يلحقوا بيكي. واعرفي إن الورقة دي ملكك وملك كل اللي اتظلموا.”

وتحت الكلام، كان رسم صغير جدًا لزهرة اللوتس. قضيت الليل كله سهرانة، وفي الصبح رحت للعنوان. قابلت “سميحة”، مرات أخوه، اللي حكت لي إن عبدالرحمن كان محامياً شهيراً في التسعينات، وكان بيحارب عيلة فاسدة اسمها “المنياوي” تسببت في كارثة تلوث بيئي وموت الكثيرين، ودفع ثمناً غالياً بفقدان أسرته في حادثة مدبرة.

أعطتني سميحة صندوقاً يحتوي على أدلة قاطعة، وبتضافر الجهود مع صحفي شريف، استطعنا نشر الحقيقة. في النهاية، أصدرت المحكمة حكمها بإدانة أفراد عيلة المنياوي، واسترد عبدالرحمن حقه.

بعد شهور، وبينما كنت أجلس معه في حديقته، قلت له: “كنت عارف إن زهرة اللوتس هتكون المفتاح لكل ده؟”
ابتسم وقال: “اللوتس بيكبر في الميه الطينية، وبيطلع أجمل زهرة نقية.. زي الحق تماماً، مهما حاولوا يخفوه، لازم يطلع نقي وواضح للكل.”

هكذا انتهت القصة، وعلمتني أن مساعدة إنسان واحد، مهما كانت بسيطة، قد تغير مصير الكثيرين، وأن الحق دائماً ينتصر مهما طال الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى