
رزعة الباب ورا حماتي كانت زي إعلان استقلال شقتي.
أحمد كان واقف يبصلي وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص، مش سعاد اللي كانت بتصحى من الفجر تمسح السلالم وتغرق في دموعها وخدمتها. قرب مني وهو بينهج، نسي الجوع ونسي الخناقة اللي شعللت تحت، ويمد إيده عشان يمسكني.. بس أنا حطيت إيدي على صدره بهدوء ووقفته، وبصيت في عينيه بثبات: “لأ يا أحمد.. مش بالسهولة دي. أنا بقالي عشر سنين بنسحق وبتهان عشان أمتّع عينك وأخدم عيلتك، والنتيجة إنكم كلكم رميتوني بالجزمة. من النهاردة، اللي عايز سعاد تشوفه راجل، لازم هو الأول يعاملها كست.. مش كخدّامة ببلاش!”.
الليل داك كله كان جهنم حمرا تحت في الصالة.
صوت الزعيق كان واصل للسطوح. ولاء وشيماء قفلوا على نفسهم الشقق بالضبة والمفتاح ورفضوا ينزلوا يحطوا إيدهم في المواعين. إخوات أحمد دخلوا في خناقة شوارع مع أمهم ومع نسوانهم. “هي سعاد كانت خدامة أبونا عشان ترموا عليها الشغل كدا؟”، “مانتوا كنتوا عايشين كبارات وهي اللي شايلة الطين لوحدها!”. الذباب اتلم على الأكل المصنّن على السفره، وحلل المطبخ بقت ريحتها ترمي العصفور من على الشجرة. ولأول مرة في تاريخ العيلة من عشر سنين.. البيت بات من غير عشا، وكل واحد دخل شقته وجوزه بيزعق معاه!
أنا فوق كنت قاعدة مع عيالي، عملتلهم أكل خفيف، وأحمد قاعد جنبي ساكت زي التلميذ الخايب، مش قادر ينطق كلمة ولا يطلب مني أنزل، لأنه عارف إن أي كلمة غلط هتخليني ألم هدومي وأروح بيت أهلي، ويبقى خسرت الست الوحيدة اللي كانت شايلاله بيته وكرامته.
الصبح بدري.. بدل ما أصحى الساعة خمسة والمية التلج تنزل على إيدي وأنا بمسح ممر العمارة، صحيت الساعة عشرة براحتي.
دخلت أخدت دش، لبست فستان أصفر مبهج، حطيت كحل في عيني، وعملت فنجان قهوة مظبوط. خرجت وقفت في البلكونة أشم الهواء وأشرب قهوتي ببدل الروقان.
سمعت صوت خطوات حماتي طالعة السلم وهي بتتسحب، رجلها تقيلة والتعب باين عليها. فتحت باب الشقة ولقتني قاعدة بالقهوة والابتسامة على وشي. بصتلي بعيون مليانة غل ومكسورة في نفس الوقت، وقالت بنبرة فيها رجاء مكتوم: “صباح الخير يا سعاد.. المطبخ تحت يقطع القلب، وسلفاتك هوانم مش بتوع شغل وشرخوا البيت خناق، تعالي سمّي الله وانزلي شوفي حال البيت معلش..”.
رفعت فنجان القهوة وابتسمت ابتسامة هادية: “صباح الفل يا حماتي. مش إنتي اللي قولتيلي ريحة البصل والصلصة مخليين ريحتك تسد النفس؟ أنا قررت من النهاردة أحافظ على نظافتي وريحتي عشان ابنك الكسيف. المطبخ تحت مقسوم على تلاتة، ولاء وشيماء ينزلوا يمسحوا وينضفوا، وكل واحدة تطبخ ليومها ولجوزها ولعيالها. وأنا طعام جوزي وعيالي هعمله هنا في شقتي على قدنا”.
حماتي برقت عينيها وجت تزعق: “وأنا؟ هتقعديني بطولي من غير أكل ولا شرب يا سعاد؟!”.
رديت ببرود ناعم: “أنتِ على راسي من فوق يا حماتي.. شقتك أنتِ ولزمتك أنتِ أنزل أعملهالك بعيني، أطبخلك ألك لقمة نضفة وأروقلك أوضتك وتاكلي معايا فوق هنا ست الكل. إنما أخدم نسوان أولادك تاني؟ على جثتي! اللي كانت بتخدم ببلاش راحت، واللي موجودة النهاردة ست البيت اللي جوزها بيعملها ألف حساب!”.
حماتي بلعت ريقها بالعافية، بصلتي بقلة حيلة وعرفت إن سعاد القديمة ماتت خلاص. نزلت تظبط بيتها من غير ما تنطق حرف.
ومن اليوم ده، كل حاجة اتغيرت. ولاء وشيماء بقوا ينزلوا يجيبوا شغالات على حسابهم عشان ينضفوا قرفهم، والبيت اللي كان قايم على كتفي اتقسم بالعدل. بقيت أنزل لحماتي ضيفة مكرمة، أعملها الشاي وأقعد أضحك معاها، بس إيدي متتمدش في طبق ولا معلقة تخص سلفاتي. أحمد جوزي بقى يعاملني كأني عروسة جديدة، خايف على زعلي، وبيعملي ألف حساب قدام أهله.
الفستان الأحمر اللي رمتُه في وشي الصبح عشان تكسرني بيه، كان هو نفسه السلاح اللي كسرت بيه كبرياء البيت كله، وعلمتهم إن السكوت مش ضعف.. ده كان استراحة محارب لحد ما آخد حقي ناشف!
عفاريت الدنيا كانت بتتنطط في وش ولاء وشيماء. مكنوش مستوعبين إن سعاد، الخدامة المطيعة اللي كانت بترس الشقة وتقف قدام البوتجاز بالساعات، بقت بتدخل وتخرج زي الملكة.
الجمعة اللي بعدها، كانت عزومة خالة أحمد وولادها.. عزومة تقيلة فيها بتاع عشرين فرد. ولاء وشيماء افتكروا إن دي فرصتهم، اتجمعوا في صالة حماتي وكانوا بيكلموها بسبق وإصرار: “يعني إيه يا حماتي؟ سعاد مش نازلة تطبخ للعزومة؟ دي خالتهم جاية! هتقولي لها إيه؟ إن نسوان ولادك سايبينك؟”.
حماتي هزت رأسها وهي محتارة ومكسورة العين: “روحوا قولولها أنتو.. أنا مقدرش أفتح بؤي معاها تاني، أحمد ابنكم بقا واقف في ضهرها زي السد”.
دخلت ولاء شقتي، طلعت السلم وهي بتهبد برجلها، وفتحت الباب من غير ما تخبط بكبرياء مزيف: “أظن بقى يا سعاد هتانزلي تطبخي للمشويات والتنظيف؟ خالة جوزك تحت وما يصحش منظر البيت كده!”.
كنت قاعدة بقص أظافري وبروق بالي. بصيتلها ببرود قاتل، وابتسمت ابتسامة صفرا: “والله يا ولاء يا حبيبتي، خالتهم على راسي، بس أنا حماتي قالتلي من أسبوع إني ريحتي بصل وشكلي يسد النفس.. فقررت ما أدخلش المطبخ تاني عشان ما أقرفش حد. أنتي وشيماء بقى همتكم معانا، ورونا شطارتكم اللي بتتباروا بيها قدام الرجالة!”.
ولاء اتنططت: “أنا مش هطبخ لـ عشرين فرد! أنا ضوافري لسه معمولاني بستمائة جنيه!”.
رديت وأنا بقلب صفحة في مجلة كانت في إيدي: “يبقى هاتي شغالة على حسابك يا ختي، أو خدي شيماء في إيدك وشمروا.. ده بيت حماتكم برضه ولا أنتو فالحين بس في الدلع؟”.
خرجت ولاء تصرخ تحت، ووصلت الخالة والعيلة. الصالة كانت متكركبة، والأكل اتأخر، وولاء وشيماء اضطروا -لأول مرة في حياتهم- يشمروا أكمامهم ويدخلوا المطبخ وسط العرق والدخان. العرق أكل الميك أب بتاعهم، وضوافرهم اتكسرت، وهدومهم الغالية اتطينت بالصلصة والزيت!
الساعة أربعة العصر، نزلت أنا من على السلم.. كنت لابسة فستان نبيتي شيك، حاطة روج خفيف، وريحتي برفان فرنسي يفوح في الممر كله. دخلت الصالة بكل ثقة، سلمت على الخالة وقعدت جنبها.
الخالة بصتلي بإعجاب وقالت: “بسم الله ما شاء الله يا سعاد.. إيه الحلاوة والروقان ده يا حبيبتي! بس فين الأكل؟ أنتي مش واقفة في المطبخ ليه زي كل مرة؟”.
قبل ما أنطق، أحمد جوزي كان داخل من الباب، سمع السؤال، فرد بصوت عالي وواثق قدام العيلة كلها: “لأ يا خالة.. سعاد خلاص، كفاية عليها عشر سنين شالت البيت على راسها ومنعت عننا التعب. سعاد دي ست البيت وبرنسيسة المكان، واللي في المطبخ دول سلفاتها.. جه دورهم يشيلوا القفة شوية ويجربوا اللي سعاد كانت بشيلوا لوحدها!”.
الخالة هزت رأسها بتأييد: “جدع يا أحمد.. الأصيل يعرف قدر مراته!”.
حماتي كانت قاعدة ساكتة، بصالي بعيون فيها حسرة وندم، ومش قادرة تتكلم كلمة واحدة لأن ابنها الكبير هو اللي حسم الأمر. وفي لحظتها، خرجت ولاء وشيماء من المطبخ شايلين الصواني، ووشهم أحمر زي الطماطم من صهد الفرن، والميك أب سايح على وشوشهم، وشكلهم يرحم الكافر!
بصتلي ولاء بعيون مليانة كره، وأنا رفعت كوباية العصير، وابتسمتلها ابتسامة نصر هادية.. ابتسامة بتقولهم إن الفستان الأحمر اللي كانوا فاكرين إنهم هيقتلوا بيه كرامتي، كان هو الدبوس اللي أفرغ بالونة غرورهم للأبد. ومن الليلة دي، بقى كل واحد في البيت ده عارف مقامه كويس، وعارف إن سعاد مش مجرد رقم.. دي صاحبة البيت والكلمة الأولى والأخيرة.
مرت الأيام، والمشهد تحت في العمارة بقى أشبَه بمسلسل كوميدي أسود. ولاء وشيماء، اللي كانوا زمان زي السمن على العسل وبيتجمعوا بس عشان يلطشوا فيا، أكلوا في بعض! الخناقات بقت يومية وصوتها جايب آخر الشارع: “إنتي اللي عليكِ دور مسيح السلالم الأسبوع ده!”، “لا يا حبيبتي، إنتي اللي سيبتي حوض المطبخ زفر ومسفر من إمبارح!”.




