
جوزي طيار وكان عنده رحلة ليلة عيد جوازنا، فقررت أحجز تذكر في السر على نفس الطيارة عشان أفاجئه. بس أول ما صوته طلع في المايك، الكلام اللي قاله خلّى قلبي يقف من . انا وشريف متجوزين من 12 سنة، وعمره ما فوت يوم عيد جوازنا.. ولا مرة! بس السنة دي، جدول شغله جه في الكابينة بالليل في نفس الليلة اللي المفروض نحتفل فيها.
كان حاسس بالذنب جداً وفضل يوعدني إنه هيعوضني، بس أنا كنت خلاص رتبت خطتي. وبما إن الرحلة كلها 90 دقيقة بس، اشتريت تذكرة على طيارته من غير ما يعرف. ظبطت شعري، ولبست الفستان الأحمر اللي كان فيه من أول مقابلة لينا، وخططت أفاجئه أول ما ننزل.
عند بوابة السفر، كنت هبوظ الدنيا خالص لما لمحته واقف عند الممر ببدلته الرسمية وهو بيضحك مع المساعد بتاعه. دقات قلبي جريت زي أول مرة اتقابلنا، واستخبيت بسرعة ورا عمود عشان ما يلمحنيش.
ركبت مع آخر مجموعة، واتسحبت لكرسيّ رقم 14C، رميت شعري لقدام ونزلت راسي الأرض. الأبواب اتقفلت، والطيارة بدأت تتحرك لورا عشان تستعد للإقلاع. وفجأة، صوت شريف ملا كابينة الركاب.
سيداتي وسادتي، معاكم الكابتن…
ابتسمت وأنا مستنية البوقين التقليديين بتوع كل رحلة.
بس لقيته سكت فجأة..
وبعدين قال قبل ما نطلع في الجو، حابب أعمل حاجة عمري ما عملتها في أي رحلة قبل كده. معانا على الطيارة الليلة دي شخص غالي عليا أوي.. شخص بيمثلي كل حاجة في حياتي.
وشي اتخطف وبقى طماطم من الكسوف! قولت أكيد شاف اسمي في كشف الركاب وبوظ المفاجأة. بس برضه قلبي قعد يرقص من الفرحة إنه بيقول عليا كده قدام الناس كلها.
وقفت وكنت لسه هرفع راسي ومستنياه ينطق اسمي..
بس الكلمتين اللي قالهم بعد كده.. جمدوني في مكاني!
ووووو
كان قلبي بيدق ، وإيديا بردت فجأة.
الشخص ده… يمكن ميكونش عارف إني اكتشفت اللي عمله من كام يوم.
سكت شريف ثانيتين، والطيارة كلها هديت بشكل غريب.
بصيت حواليّ، لقيت الركاب بيبصوا لبعض باستغراب، وكل واحد بيحاول يعرف هو بيتكلم عن مين.
أما أنا… فحسيت إن الأرض بتسحبني.
إيه اللي اكتشفه؟!
أنا معملتش حاجة!
بدأت أفتش بسرعة في دماغي، يمكن نسيّت موقف، أو كلمة، أو تصرف فهمه غلط… لكن ملقتش.
رجع صوته في السماعات
أهدى من الأول
الشخص ده علّمني إن القوة مش إنك متقعش… القوة إنك تقوم كل مرة حتى لو محدش شايف تعبك.
بدأ التوتر يخف شوية… لكن فضولي زاد أضعاف.
مين يقصد؟
وفجأة سمعت صوت إحدى المضيفات في السماعة الداخلية بتقول
كابتن… الرسالة جاهزة.
رسالة؟
إيه الرسالة؟
رفعت راسي لأول مرة من بداية الرحلة، ولاحظت إن المضيفات بيتحركوا بين المقاعد بطريقة غير طبيعية، وكل واحدة ماسكة ظرف أبيض صغير.
الركاب كانوا مستغربين، لكن واضح إنهم متعاونين، كأنهم داخلين في حاجة متفق عليها.
المضيفة وقفت عند الصف اللي قدامي، وابتسمت لراكبة مسنة وسلمتها الظرف، وبعدها اتحركت للصف اللي ورا.
لما قربت من مكاني، ابتسمتلي ابتسامة واسعة وقالت بصوت منخفض
حضرتك… اتفضلي.
ناولتني ظرف مكتوب عليه بخط إيد شريف.
اتجمدت مكاني.
ده خطه… مفيش شك.
بصيت ناحية باب الكابينة، كأني مستنية يخرج بنفسه، لكن الباب فضل مقفول.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة…
ولقيت جواه صورة قديمة جدًا.
أنا وشريف… يوم ما اتقابلنا لأول مرة، وإحنا لسه طلبة.
لكن الغريب… إن في ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بقلمه، عمره ما وريهالي قبل كده
لو وصلِتِ للرسالة دي… يبقى الخطوة الأولى نجحت.
وقبل ما أستوعب معنى الجملة، أضاءت شاشة الطائرة، واختفت خريطة الرحلة…
وظهر عليها عنوان واحد فقط
المحطة الأولى…
ثم انطفأت الشاشة مرة أخرى، قبل أن يظهر شيء جديد…اتعلقت عيني بالشاشة، لكن العنوان اختفى بسرعة، وكأن حد تعمد يخلي اللي شافه يشك في نفسه.
بصيت في الصورة تاني… ثم في الظرف.
كان فيه ورقة مطوية كويس، أصغر من الصورة.
فتحتها بحذر.
مكتوب فيها
لو بتقري الرسالة دي، يبقى عرفتي إن مفاجأتك ليا نجحت… بس المرة دي، المفاجأة اللي مستنياكي أكبر.
اتسعت عيني.
عرف!
يعني كان عارف إني على الطيارة؟
إزاي؟
رجعت أكمل القراءة.
فاكرة من 12 سنة لما وعدتك إن كل عيد جواز هيبقى مختلف؟ السنة دي الظروف سبقتنا… فقلت أخلي الذكرى دي عمرها ما تتنسي.
ابتسمت رغم التوتر.
لكن الورقة ما خلصتش.
الظرف ده هيفضل معاكي لحد ما توصلي للمحطة التانية… ومتفتحيش أي ظرف غير لما حد من طاقم الضيافة يقولك.
رفعت رأسي بسرعة.
أي ظرف؟
بصيت تحت الورقة…
لقيت بالفعل ظرفين تانيين، مرقمين.
الأول مكتوب عليه
رقم ٢ بعد الهبوط.
والتاني
رقم ٣ لما توصلي للمكان اللي هتروحيه.
حسيت إن شريف مرتب كل حاجة بالدقيقة.
المضيفة رجعت تقرب مني وهمست بابتسامة
الكابتن وصانا شخصيًا إن حضرتك متستعجليش… وكل حاجة هتعرفيها في وقتها.
قبل ما ألحق أسألها أي سؤال، سمعنا صوت شريف في السماعات من جديد
أعزائي الركاب، وصلنا لارتفاع التحليق المطلوب، وأشكركم على تعاونكم معانا الليلة.
ثم سكت لحظة، وقال بنبرة دافئة
وفيه شخص واحد على الطيارة… أتمنى يفضل واثق فيا، حتى لو كل حاجة حواليه شكلها غامض.
الكلمات دي دخلت قلبي مباشرة.
لكن في نفس اللحظة، لمحت راكبًا في الصف المقابل يبص ناحيتي للمرة الثالثة.
كان في الخمسينات من عمره، ماسك كتابًا قديمًا، لكنه من وقت الإقلاع وهو لا بيقرأ ولا بيقلب صفحة واحدة.
ولما عيوننا اتقابلت… ابتسم ابتسامة هادئة، ومد إيده في جيب الجاكيت، وأخرج ميدالية صغيرة.
رفعها ناحيتي لثوانٍ فقط.
اتسعت عيناي…
لأن الميدالية دي أنا اللي اشتريتها لشريف في أول سنة جواز، واختفت من بيتنا من شهور، ومحدش عرف راحت فين.
قبل ما أستوعب اللي بشوفه، الراجل قفل إيده عليها من جديد… وكأنه مستني اللحظة المناسبة يقول الحقيقة فضلت بصاله وأنا مش مستوعبة.
الميدالية دي مستحيل تكون مع حد غير شريف.
لما الطيارة بدأت تهدى بعد الإقلاع، الراجل مال ناحيتي وقال بصوت واطي جدًا
متقلقيش… كل حاجة ماشية زي ما الكابتن خطط.
قبل ما أسأله أي حاجة، قام من مكانه واتجه بهدوء ناحية دورة المياه.
فضلت مكاني، وعقلي مليان أسئلة.
إزاي يعرف شريف؟
وإيه حكاية الميدالية؟
وليه كل الناس شكلها عارفة حاجة وأنا الوحيدة اللي مش فاهمة؟
بعد دقائق، خرج الراجل، لكن بدل ما يرجع لمقعده، وقفت مضيفة الطيران قدامه وقالت بابتسامة
حضرتك، الكابتن بيشكرك.
ناولها الميدالية، وهي حطتها في علبة خشب صغيرة مبطنة بقماش أحمر، وقفلتها بعناية.
رجعت المضيفة عندي، وحطت العلبة على الطرابيزة الصغيرة قدامي.
وقالت
دي أمانة… والمفروض تفضلي مقفلاها لحد ما الطيارة تلمس الأرض.
بصيت للعلبة، وكان عليها تاريخ واحد محفور بخط أنيق
12 7
ابتسمت من غير ما أحس.
ده تاريخ عيد جوازنا.
لكن تحت التاريخ كان فيه نقش صغير عمرى ما شفته قبل كده
الوعد لسه مستمر.
عدت الدقائق ببطء، وكل شوية كنت أبص من الشباك، وبعدين للعلبة، وبعدين لباب الكابينة.
وفجأة، اتفتح باب الكابينة للحظات.
خرج المساعد، واتجه ناحية آخر الطيارة، لكن قبل ما الباب يقفل، لمحت شريف واقف جوه.
ثانية واحدة بس…
رفع عينه، ولمحني.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وحط إيده على قلبه، كأنه بيقول
استني… قربنا.
رديت عليه بنفس الحركة من غير ما أفكر.
وفي اللحظة دي، دوّى صوت جرس خفيف في الطيارة، وأعلن شريف
هنبدأ إجراءات الهبوط خلال دقائق. وبرجاء من الراكبة الموجودة في المقعد 14C، تحتفظ بالعلبة معاها بعد النزول، لأن في شخص مستني يسلمها آخر قطعة من المفاجأة.
الركاب كلهم بصوا ناحيتي بابتسامات، وكأنهم بقوا جزء من الحكاية.
أما أنا… فكنت حاسة إن المفاجأة لسه في بدايتها، وإن آخر قطعة قال عليها شريف هتكشف سرًا احتفظ بيه سنين طويلة… لكن لسه ما جهش وقت معرفته بدأت الطيارة تنخفض بهدوء، وأضواء المدينة ظهرت من تحتنا كأنها نجوم مرسومة على الأرض.
صوت شريف رجع في السماعات بنبرته الهادية المعتادة
أشكركم على اختياركم رحلتنا، ونتمنى تكونوا استمتعتم بيها. وبرجاء البقاء في أماكنكم حتى التوقف الكامل.
الكلمات كانت عادية بالنسبة لكل الركاب…
إلا بالنسبة لي.
لأن آخر جملة قالها كانت مختلفة.
وفيه راكبة واحدة… أتمنى تفتكر إن بعض الوعود ممكن تستنى سنين، لكن عمرها ما بتتنسى.
ابتسمت من غير ما أحس، وأنا ضاغطة على العلبة الخشب بين إيديا.
بعد ما الطيارة وقفت، الناس بدأت تنزل بالترتيب.
الغريب إن المضيفة وقفت قدام صفي وقالت بابتسامة
لو سمحتم… هنستأذن حضراتكم دقيقة.
الركاب بصوا باستغراب، لكن محدش اعترض.
بعدها قربت مني وهمست
حضرتك آخر واحدة هتنزل.
استنيت لحد ما الكابينة فضيت تمامًا.
أول ما آخر راكب خرج، باب الكابينة اتفتح.
خرج شريف ببدلته، لكنه أول ما شافني نسي كل الرسمية، وجري ناحيتي وهو بيضحك.
وقف قدامي وقال
يعني كنتِ فاكرة إنك هتفاجئيني؟
ضحكت وأنا دموعي نزلت.
إنت كنت عارف؟
طلع من جيبه تذكرة مطبوعة.
من أول ما حجزتي… وصلني كشف الركاب قبل الرحلة بيوم. أول ما شفت اسمك، عرفت إنك بتحضري لمقلب.
ضربته بخفة على كتفه.
وسبتني أعيش كل التوتر ده؟
ابتسم وقال
لأن دي كانت أول خطوة.
أشار ناحية العلبة اللي معايا.
افتحيها دلوقتي.
فتحت
الغطا ببطء…
لقيت جواها الميدالية، وتحتها مفتاح نحاسي صغير مربوط بشريط أحمر.
كان معاه كارت مكتوب فيه
ده مفتاح المكان اللي بدأنا منه… لكن المرة دي هنرجعله بعد 12 سنة.
رفعت عيني باستغراب.
تقصد إيه؟
ابتسم من غير ما يجاوب.
وفي نفس اللحظة، رن تليفونه.
بص للشاشة، وابتسامته اختفت فجأة.
رد بسرعة، وسمع الطرف التاني ثواني من غير ما ينطق.
ثم قال بصوت منخفض
إزاي؟… إمتى حصل ده؟
وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة، وبصلي وهو بياخد نفسًا عميقًا.
وقال
واضح إن خطتنا هتتأجل… لأن في حاجة حصلت لازم نروح لها حالًا.
ولأول مرة من بداية الليلة… شفت في عينيه قلقًا حقيقيًا، من غير ما أعرف إيه الخبر اللي قلب كل حاجة اتجمدت مكاني، وأنا ببص في وشه.
قلت بقلق
خير يا شريف… حصل إيه؟
حاول يبتسم، لكن الابتسامة كانت باهتة.
مسك إيدي وقال
متخافيش… محدش حصله حاجة، بس لازم نتحرك بسرعة.
الكلمة الأخيرة طمنتني شوية.
خرجنا من الطيارة، وكان في موظف من المطار واقف مستنينا بعربية كهربائية صغيرة.
أول ما شاف شريف، سلّمه ظرف أبيض مختوم، وقال
زي ما طلبت يا كابتن.
استغربت.
إنت كنت مرتب لكل ده؟
ضحك وقال
آه… لكن المكالمة الأخيرة غيرت ترتيب الأحداث.
ركبنا العربية، وماشيين بين الممرات الهادية للمطار، لحد ما وصلنا لباب جانبي مخصص للعاملين.
أول ما خرجنا، لقيت عربية قديمة واقفة.
عربية!
بصيت لها أكتر، وحسيت إني أعرفها.
قربت منها ببطء… وفجأة شهقت.
دي… دي عربيتنا الأولى!
العربية الزرقا الصغيرة اللي اشتريناها بعد الجواز بشهور، واضطرينا نبيعها وقت ما كان شريف لسه في بداية شغله، عشان نسدد أقساط البيت.
لفيت أبصله، وأنا مش مصدقة.
إنت… رجعتها؟
هز راسه بابتسامة.
فضلت أدور عليها أكتر من سنة… ولما لقيتها، اشتريتها من غير ما أقولك.
لمست باب العربية، وحسيت كأن الزمن رجع بينا.
ركبنا، وكان نفس معطر الجو اللي كنت بحبه معلق في المراية، ونفس الأغنية القديمة شغالة بصوت منخفض.
ضحكت وسط دموعي.
إنت فاكر كل التفاصيل؟
رد وهو بيبص للطريق
في حاجات مينفعش تتنسي.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقف قدام مبنى صغير مطل على النيل.
كان مطعمًا قديمًا، لكنه مقفول.
استغربت.
إحنا جايين هنا ليه؟
ناولني المفتاح النحاسي اللي كان في العلبة.
وقال
المفتاح
ده مش بتاع المطعم…
وأشار ناحية باب خشبي صغير في الجنب، عمره ما كان ظاهر للناس.
قربت، وحطيت المفتاح في القفل.
لفّ بسهولة… وكأن الباب كان مستنينا.
فتح الباب ببطء.
دخلنا ممرًا قصيرًا، وفي آخره غرفة صغيرة مضاءة بشموع.
على الحائط كانت صورنا من أول يوم خطوبة، ويوم كتب الكتاب، وأول بيت، وأول رحلة، وكل ذكرى جميلة عدت علينا.
لكن في منتصف الغرفة…
كانت فيه منضدة عليها صندوق خشبي كبير، وعليه ورقة واحدة مكتوب فيها بخط شريف
افتحيه معايا… لأن اللي جواه هيغير شكل كل عيد جواز من النهارده، لكن لسه لازم تعرفي حاجة مهمة قبل ما نشوفه.
ثم نظر إليّ بهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يستعد ليحكي سرًا احتفظ به سنوات… لكنه لم ينطق بالكلمة الأولى بعد وقفت قدامه، وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
بصيت للصندوق… وبعدين بصيتله.
قلت بصوت مرتعش
شريف… خوفتني. هو في إيه؟
ابتسم، ومد إيده مسك إيدي برفق.
اطمني… السر ده عمره ما كان حاجة وحشة. بالعكس… هو أجمل وعد حاولت أوفيه.
سحب من جيبه مفتاحًا صغيرًا تاني، كان مختلف عن المفتاح اللي فتحنا بيه الباب.
ركع على ركبة واحدة قدام الصندوق، وحط المفتاح في القفل.
صدر صوت تك.
فتح الغطا ببطء…
ولقيت جواه عشرات الظروف، كل واحد مربوط بشريط بلون مختلف.
وعلى كل ظرف تاريخ.
قربت وأنا مستغربة.
أول ظرف كان مكتوب عليه
السنة الأولى.
واللي بعده
السنة الثانية.
وبعدين
السنة الثالثة.
لحد ما وصلت لآخر ظرف.
السنة الثانية عشرة.
بصيتله باستغراب.
إيه دول؟
ابتسم وقال
كل سنة في عيد جوازنا، كنت بكتبلك جواب.
شهقت.
جواب؟
هز رأسه.
حتى في السنين اللي كنا بنتخانق فيها… والسنين اللي كنت مسافر فيها… والسنين اللي كنتِ فاكرة إني نسيت المناسبة… كنت برجع آخر اليوم وأكتب كل اللي كنت عايز أقوله، وأحطه هنا.
مد إيده وناولني أول ظرف.
فتحته.
كان الخط أقدم، وكأن الزمن رجع بينا.
قرأته بصوت منخفض، وكانت أول جملة فيه
إلى البنت اللي وافقت تعيش مع شاب لسه بيبدأ حياته… أوعدك إني يمكن معرفش أجيب الدنيا كلها، لكن هفضل أحاول أخليكي تضحكي كل يوم.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت الظرف اللي بعده.
ثم اللي بعده.
كل واحد كان حكاية كاملة.
في واحد كان بيحكي عن أول مرة خاف يبقى أب.
وفي واحد كتب
فيه قد إيه كان فخور بيا وأنا بسانده في أصعب فترة في شغله.
وفي واحد اعتذر فيه عن يوم رجع متأخر من غير ما يقدر يشرح سبب تعبه.
ولما وصلت لظرف السنة السابعة…
لقيت صورة صغيرة جواه.
صورة لينا وإحنا واقفين قدام بيت بسيط تحت التشطيب.
افتكرت اليوم ده.
اليوم اللي قولتله فيه إن البيت صغير، لكنه هيبقى أجمل مكان طول ما إحنا مع بعض.
ابتسم وقال
كل ظرف فيه ذكرى… وكل ذكرى كانت بتفكرني ليه اخترتك من البداية.
مسحت دموعي، وأنا بضحك.
طيب… وإيه حكاية ظرف السنة الاتناشر؟
بص للصندوق، وسكت شوية.
ثم أخده بإيده، لكن قبل ما يديهولي، قال
الظرف ده مختلف… لأنه مش بيتكلم عن اللي فات.
ثم رفع عينيه نحوي، وابتسم ابتسامة مليانة أمل.
الظرف ده… بيتكلم عن اللي جاي.
لكنه لم يفتحه بعد، واكتفى بأن وضعه بين أيدينا، وكأن اللحظة نفسها كانت أهم من معرفة ما بداخله مديت إيدي ببطء، ولمست الظرف.
كان أثقل من باقي الظروف.
بصيت لشريف وقلت وأنا بضحك وسط دموعي
هو إنت حاطط فيه طوبة؟
ضحك من قلبه لأول مرة من بداية الليلة.
وقال
لا… بس يمكن يكون أكتر ظرف استنيت اللحظة دي عشان أفتحه.
ناولني الظرف.
فتحت الشريط الذهبي اللي كان ملفوف حواليه، وأخرجت الورقة.
لكن قبل ما أبدأ أقرأ، وقع منها مفتاح صغير تاني.
استغربت.
هو النهارده يوم المفاتيح ولا إيه؟
قال بابتسامة
المفتاح ده لباب لسه مفتحناهوش.
بصيتله باستغراب، لكنه أشار للورقة.
بدأت أقرأ.
حبيبتي…
لو وصلنا للسنة الاتناشر، يبقى إحنا عدينا مع بعض أفراح، وتعب، وضحك، وخلافات بسيطة، وأيام حسينا فيها إن الدنيا تقيلة… لكن عمرنا ما سبنا إيد بعض.
كملت القراءة، وكل كلمة كانت كأنها بتتحكي عن عمر كامل.
أنا اتعلمت إن الجواز مش هدية بتتاخد مرة واحدة… ده اختيار بيتكرر كل يوم. وكل يوم كنت باختارك من جديد.
رفعت عيني، لقيته واقف قدامي، وعينه مليانة دموع.
قال بهدوء
كملي.
نزلت بعيني على آخر السطور.
وعشان كده… قررت إن أحسن هدية بعد 12 سنة، هي إننا نبدأ نحلم من أول وجديد.
تحت الرسالة كان فيه ظرف صغير جدًا.
فتحته.
طلع منه مفتاح، ومعاه صورة لتصميم بيت جميل تحيط به حديقة واسعة.
بصيت للصورة، وبعدين لشريف.
إيه ده؟
ابتسم وقال
فاكرة الأرض الصغيرة اللي اشتريناها من خمس سنين، وقلنا لما الظروف
تتحسن هنبني عليها؟
هزيت راسي بسرعة.
أيوه… بس إحنا أجلنا الموضوع.
رد وهو يخرج ملفًا أزرق من الصندوق.
ما أجلناهوش… أنا كنت شغال عليه في السر.
فتحت الملف.
كانت فيه رسومات هندسية كاملة، وتصاريح، وصور لمراحل التنفيذ.
ومع كل صفحة كنت بقلبها… كانت بتكبر.
لحد ما وصلت لآخر صورة.
شهقت، وحطيت إيدي على بقي.
لأن البيت… كان شبه مكتمل بالفعل.
لكن قبل ما أستوعب كل التفاصيل، قال شريف بابتسامة هادئة
لسه فاضل تشوفيه بعينك… وساعتها هتعرفي ليه كنت مصر إن الليلة دي تفضل محفورة في ذاكرتنا طول العمر خرج شريف من الغرفة وهو ماسك إيدي، وكأنه مستعجل يوصلني قبل ما الليل يخلص.
ركبنا العربية القديمة، لكنه المرة دي مد إيده وناولني المفتاح الصغير.
وقال
إنتِ اللي هتفتحي الباب.
سألته وأنا بضحك
وإنت هتفضل مخليني أفتح أبواب لحد الصبح؟
ضحك وقال
آخر باب… أوعدك.
اتحركنا في طريق هادي، والساعة كانت قرب منتصف الليل.
بعد حوالي نصف ساعة، وقفنا قدام بوابة حديد كبيرة.
مكان هادي، حواليه أشجار، وأنواره خافتة.
بصيت لشريف.
قال بهدوء
انزلي.
نزلت من العربية، ولسه مستغربة.
قربنا من البوابة، وكان فيها قفل جديد.
حطيت المفتاح فيه.
لفيته…
واتفتح الباب ببطء.
دخلنا.
كان قدامنا ممر طويل مزروع ورد أبيض على الجانبين، وفي آخره بيت جميل، أنواره كلها منورة.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتكلم.
همست
هو… ده؟
هز رأسه.
أيوه.
بدأنا نمشي ناحية البيت.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتخليني أحس إني بحلم.
وصلنا للباب الرئيسي.
وفوق الباب كانت لافتة خشب صغيرة.
مكتوب عليها
بيت الوعد.
دخلنا.
ريحة الخشب الجديد كانت مالية المكان.
الصالة واسعة، والمطبخ مفتوح، وكل حاجة متشطبة بذوق بسيط… بالظبط زي ما كنت برسم في كراسة صغيرة من سنين.
بصيتله بدهشة.
إنت شفت الرسومات دي؟
ابتسم.
مش شوفتها… أنا صورتها.
اتسعت عيني.
إيه؟
قال وهو يفتح درجًا في المكتبة.
طلع منه الكراسة القديمة اللي كنت فاكرة إنها ضاعت وقت نقلنا من شقتنا الأولى.
قلب صفحاتها.
كل صفحة فيها حلم كتبته بخط إيدي.
ركنة القراءة.
المطبخ الأبيض.
الشباك الكبير المطل على الجنينة.
حتى مكان الأرجوحة اللي كنت بقول نفسي أقعد عليها وأنا بشرب القهوة.
قال بهدوء
ولا حلم منهم كان صغير بالنسبة
لي.
دموعي نزلت من غير ما أحاول أمنعها.
وفجأة…
سمعنا صوت ساعة الحائط تدق.
اثنتا عشرة دقة.
بص شريف في ساعته، ثم ابتسم وقال
كل سنة وإنتِ شريكة عمري.
ابتسمت وأنا رديت
وإنت طيب يا أحلى مفاجأة في حياتي.
وفي



