قصص و روايات

سر أوضة جدو

تاني يوم الصبح، صحيت بدري وأنا بفكر في كل اللي حصل الليلة اللي فاتت. كلام أبويا، ورسالة أمي، واسم إيلين كارتر، والمستند اللي ظهر فجأة بعد وفاة المحامي القديم… كل ده كان بيخليني أحس إن فيه تفاصيل كتير لسه مستخبية عني.

لكن أكتر حاجة كانت شاغلة بالي هي حالة بن. كان لسه بيشتكي من وجع ضهره بسبب قعدة المجسم، وعشان كده قررت أتابع مع الدكتور وألتزم بتعليماته. أما موضوع أبويا، فكنت محتاجة أفهمه، لكن من غير أسرار تاني.

بعد الظهر، اتصل بيا دانيال. قال من غير مقدمات: “سارة، قدرت أوصل لإيلين كارتر، ووافقت تقابلنا النهارده في البيت القديم.” سألته باستغراب: “هي لسه عايشة في نفس المدينة؟” رد: “لأ، لكنها جاية مخصوص عشان الموضوع ده. وقالت إن فيه حاجة لازم تشوفيها بنفسك قبل ما نراجع المستند الجديد.”

قلبي بدأ يدق بسرعة: “حاجة إيه؟” قال: “ما شرحتش. كل اللي قالته إنها مش عايزة تتكلم عن التفاصيل في التليفون.” وافقت أقابله، وبعد ما رتبت أموري واتأكدت إن بن مرتاح، اتجهت للبيت القديم. لما وصلت، لقيت دانيال واقف قدام البوابة، ومعاه ست كبيرة في أواخر الستينات، شعرها أبيض، وفي إيديها ملف قماشي أزرق.

أول ما شافتني، فضلت باصة لوشي فترة طويلة. وبعدين قالت: “إنتِ فعلًا بنت نادية… نفس عينيها ونفس نظرتها.” قلت لها: “حضرتك إيلين؟” ابتسمت بحزن: “أيوه يا سارة. أنا كنت من أقرب الناس لأمك، وكنت معاها وهي بتحلم تعمل حاجة مختلفة في البيت ده.”

دخلنا البيت، وكانت ريحة الخشب القديم لسه موجودة في المكان. مشينا في الطرقة لحد ما وصلنا للمكتبة. وقفت إيلين قدام المكتب الخشبي الكبير، وفتحت الملف اللي معاها. طلعت منه صورة قديمة لأمي، وكانت واقفة في نفس الغرفة، جنبها مجموعة ستات وأطفال.

سألتها: “مين الناس دول؟” ردت: “دول أول ناس أمك كانت عايزة تساعدهم. كانت بتحلم إن البيت يبقى مكان تقدر فيه الأم اللي ظروفها صعبة تلاقي دعم ومساعدة.” بصيت للصورة، وحسيت بحزن شديد. أمي كانت عندها حلم كبير، وأما أنا فما كنتش أعرف عنه أي حاجة.

لكن إيلين فجأة حطت الصورة على المكتب وقالت: “فيه حاجة تانية يا سارة. أمك ما سابتلكيش البيت وبس. هي كمان سابت لك دفترًا فيه تفاصيل المشروع كله، لكن الدفتر اختفى بعد وفاتها.” سألتها بسرعة: “اختفى إزاي؟”

ردت: “بعد وفاة نادية، اتجمعنا عشان نرتب الأوراق ونشوف إزاي نكمل المشروع. لكن لما جه وقت مراجعة الحسابات، اكتشفنا إن الدفتر الأصلي مش موجود.” بصيت لها بصدمة: “يعني إنتوا كنتم بتدوروا عليه طول السنين دي؟” هزت راسها: “أيوه. لأن الدفتر كان فيه تفاصيل اتفاق مالي قديم، وأسماء الجهات اللي ساهمت في تمويل المشروع. من غيره، كان صعب نعرف إذا كانت كل الالتزامات اتسددت ولا لأ.”

سكتت لحظة، وبعدها أضافت: “وأمك كانت كاتبة في آخر صفحة منه تعليمات مهمة جدًا تخص مستقبل البيت.” حسيت إن الموضوع بيكبر أكتر من اللي تخيلته. سألتها: “طيب، إنتِ تعرفي مين آخر شخص شاف الدفتر؟”

إيلين بصت ناحية الباب، وبعدها قالت: “أيوه. والدك روبرت.” اتجمدت مكاني: “بابا؟!” ردت بهدوء: “هو كان موجود وقت ترتيب الأوراق بعد وفاة أمك، لكن ده مش معناه إنه أخد الدفتر أو أخفاه عمدًا. كل اللي نعرفه إنه كان آخر شخص أكد إنه شافه.”

في اللحظة دي، افتكرت كلام أبويا عن إنه كان بيحاول يحل المشكلة لوحده. هل ممكن يكون عنده تفسير لاختفاء الدفتر؟ وهل كان عارف إن وجوده ممكن يغيّر مصير البيت؟

قبل ما أقدر أسأل، دانيال فتح درج المكتب، وبدأ يفحصه. وفجأة، لاحظ علامة غريبة في الجزء السفلي من الدرج. قال: “استنوا لحظة… فيه حاجة هنا.” انحنى وبص أسفل المكتب، وبعدها ضغط على قطعة خشب صغيرة. سمعنا صوت طقة خفيفة، وظهر تجويف ضيق مخفي داخل المكتب.

إيلين شهقت وقالت: “يا إلهي… نادية عمرها ما قالت لي إن فيه مكان مخفي هنا!” مد دانيال إيده داخل التجويف، وطلع ظرفًا بنيًا قديمًا، عليه ختم أزرق. كان اسمي مكتوبًا على الظرف بخط أمي. حسيت إن إيدي بتترعش وأنا باخده منه.

فتشته بحذر، ولقيت جواه ورقة واحدة، ومعاها مفتاح صغير. بدأت أقرأ الرسالة:
“سارة حبيبتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى إنتِ رجعتي للمكان اللي كنت بحلم أشوفك فيه مرة تانية. فيه حقيقة تخص البيت، لازم تعرفيها قبل ما تاخدي أي قرار. البيت ده ما كانش ملكي وحدي من البداية، لكنه اتسجل باسمي بعد اتفاق محدد، وكان لازم يتراجع بعد فترة معينة. لو ما اكتملتش الإجراءات المطلوبة، ممكن يحصل نزاع على بعض الحقوق المرتبطة بالعقار. عشان كده، ما توقعيش على أي مستند قبل ما تعرفي كل التفاصيل.”

وقفت عن القراءة. بصيت لدانيال وسألته: “يعني ممكن يكون فيه حد تاني له حق في البيت؟” رد: “ممكن، لكن لازم نراجع سجل الملكية الأصلي. الرسالة بتوضح إن فيه اتفاق قديم، لكنها ما بتحددش الوضع القانوني الحالي.”

رجعت للرسالة، وكملت: “أما المفتاح اللي مع الرسالة، فهو مش مفتاح باب البيت الرئيسي. ده مفتاح خزانة صغيرة موجودة في المخزن الخلفي. جواها هتلاقي نسخة من مستند كنت أتمنى ما تحتاجيش ترجعي له، لكنه ممكن يساعدك تفهمي اللي حصل بعد وفاتي.”

رفعت راسي بسرعة: “فين المخزن الخلفي؟” إيلين أشارت ناحية طرقة جانبية: “في آخر الممر، جنب الحديقة.” مشينا لحد ما وصلنا لباب صغير، كان مقفولًا بقفل قديم. جربت المفتاح، ولفّ بسهولة. فتحنا الباب، ولقينا غرفة مليانة صناديق وأثاث قديم مغطى بأقمشة بيضاء. وفي الركن، كانت فيه خزانة حديد صغيرة.

استخدمت المفتاح التاني اللي كان في الظرف، وفتحتها. جواها كان فيه ملف أسود، وصورة لمبنى كبير، ومجموعة إيصالات قديمة. دانيال بدأ يراجع الأوراق، وبعد دقائق توقف عند مستند معين. وشه اتغير. سألته بقلق: “فيه إيه؟”

رفع المستند قدامي وقال: “دي نسخة من اتفاق التمويل الأصلي بين والدتك وديفيد ميلر.” بصيت للأوراق، ولقيت توقيع أمي واضح في آخر الصفحة. لكن فيه بند محدد كان متعلم عليه بقلم أحمر. دانيال قرأه مرتين، وبعدها قال: “البند ده بيقول إن فيه مبلغًا ماليًا كان لازم يتسوى قبل تاريخ محدد، وإلا كان لازم الأطراف يرجعوا يتفاوضوا على شروط الاتفاق.”

سألته: “والتاريخ ده عدى؟” رد: “أيوه، من سنين طويلة. لكن ده لوحده ما يثبتش إن فيه حق قائم لأي طرف دلوقتي. لازم نعرف إذا كانت التسوية تمت فعلًا، ونراجع المستندات الرسمية.” إيلين بصت للورقة وقالت: “أنا كنت فاكرة إن الموضوع اتقفل بعد وفاة نادية. ما كنتش أعرف إن فيه مستندات لسه ناقصة.”

في اللحظة دي، سمعت صوت عربية بتقف بره البيت. بصيت من الشباك، وشفت أبويا روبرت نازل منها، وماسك ظرفًا أبيض كبير. دخل بسرعة، وأول ما شاف الملف الأسود مفتوحًا على الترابيزة، وقف مكانه. بصلي، وبعدها بص لدانيال. وقال بصوت متوتر: “إنتوا لقيتوا المستند ده؟”

سألته فورًا: “أيوه يا بابا. وإنت كنت عارف إنه موجود؟” سكت فترة طويلة. وبعدين طلع الظرف الأبيض اللي في إيده، وحطه قدامي: “أنا كنت بدور على الورقة دي من سنين يا سارة. وكنت فاكر إنها ضاعت للأبد.” فتحت الظرف، ولقيت جواه إيصالًا قديمًا عليه ختم رسمي، وتوقيع باسم ديفيد ميلر.

دانيال أخد الإيصال وراجعه بعناية. وفجأة، رفع عينيه وقال: “استنوا… الإيصال ده ممكن يغيّر فهمنا للاتفاق كله.” بصيت له بلهفة: “إزاي؟” رد: “لأنه ممكن يكون دليلًا على إن جزءًا من المبلغ المطلوب اتدفع بالفعل، وده معناه إننا محتاجين نراجع الحسابات من البداية.”

لكن قبل ما نقدر نكمل، أبويا قال جملة خلتني أبص له بصدمة: “فيه سبب تاني خلاني ما أقولكيش عن الاتفاق ده يا سارة… والسبب ده له علاقة بآخر مقابلة حصلت بيني وبين ديفيد قبل وفاته.” سألته بسرعة: “إيه اللي حصل في المقابلة دي؟”

أبويا بص للإيصال، وبعدها قال: “ديفيد طلب مني وعد. وعد إني ما أتكلمش عن جزء من الاتفاق إلا لما أقدر أثبت حقيقة معينة.” إيلين اتغيرت ملامحها: “حقيقة إيه يا روبرت؟”

أبويا رفع عينيه لينا وقال: “إن أم سارة ما كانتش بتحاول تحافظ على البيت لنفسها… كانت بتحاول تحميه من قرار كان ممكن يضيّع حلمها كله.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى