قصص و روايات

مراتي بيغمي عليها

” وقفل. الكلام فضل يرن في ودني، وقررت إني لازم أتكلم معاه بصراحة. قابلته في كافيه قريب من شغله، وقعدنا على ترابيزة بعيدة عن الناس. بصيت له وقلت: “يا خالد، أنا عايز أسألك سؤال، وعايزك تجاوبني بصراحة.

” قال: “اتفضل يا عمر.” قولت: “إنت ملاحظ إن مريم كل ما تيجي عندنا بيحصل لها إغماء؟” بصلي شوية، وبعدها نزل عينيه في فنجان القهوة. قلت بانفعال: “إنت عارف حاجة ومخبيها عني؟” رفع راسه وقال: “بص يا عمر، أنا كنت ساكت عشان مش عايز أخرب بيتك، لكن بما إنك سألتني، فأنا شايف إنك لازم تفكر كويس.

” قلبي بدأ يدق بسرعة. قلت: “أفكر في إيه؟” قال بصوت واطي: “أنا مش عارف إذا كانت بتمثل ولا لأ، لكن مش طبيعي إن كل مرة أدخل فيها بيتك يحصل نفس الموضوع. يمكن هي مش عايزة وجودي، ومش عارفة تقولك.” حسيت إن حد صب عليا مية ساقعة.

قلت له: “إنت بتقول إن مراتي بتمثل الإغماء؟” هز كتفه وقال: “أنا ماجزمش بحاجة، لكن ده اللي وصلت له من اللي بشوفه.” قمت من مكاني وأنا متضايق. قلت له: “مريم عمرها ما اشتكت منك، ولا قالت إنها مش عايزاك تيجي. وبعدين أنا شوفتها بعيني وهي بتفقد وعيها.

” رد بهدوء: “وأنا شوفتها بعيني برضه يا عمر. فكر في كلامي، وماتزعلش مني.” رجعت البيت وأنا مش قادر أرتب أفكاري. كنت عارف خالد كويس، وعارف إنه مش من النوع اللي يتهم حد بسهولة. وفي نفس الوقت، كنت عارف مراتي، وعارف إنها عمرها ما كانت بتكره حد من أهلي.

لكن لو خالد صادق، ليه مريم بتعمل كده؟ ولو مريم مش بتعمل كده بإرادتها، يبقى إيه اللي بيحصل لها؟ قعدت معاها في نفس الليلة، ويوسف كان نايم في أوضته. قولتلها: “مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم.

” بصتلي وابتسمت ابتسامة بسيطة: “خير يا عمر؟” مسكت إيديها وقلت: “إنتي عارفة إن خالد أخويا، وإنه غالي عندي. وعارفة كمان إني عمري ما هقبل إن حد يظلمك. بس أنا محتاج أفهم منك، ليه كل مرة بييجي عندنا بتفقدي وعيك؟” ابتسامتها اختفت.

” ابتسامتها اختفت. فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت: “أنا مش عارفة يا عمر. والله العظيم مش عارفة.” قولتلها: “خالد شايف إنك بتعملي كده عشان تمنعيه ييجي البيت.” مريم رفعت عينيها ليا بسرعة، ووشها اتغير. قالت بصوت مبحوح: “هو قالك كده؟

” قلت: “أيوه، لكنه قال إنه مجرد شك.” سحبت إيديها من إيدي، وقامت وقفت قدامي. “يعني إنت مصدقه؟” قلت بسرعة: “أنا ماصدقتش حد، أنا بس بحاول أفهم.” فضلت تبصلي شوية، وبعدها قالت: “طيب لو أنا فعلًا بكره وجوده، كنت هعمل إيه؟

كنت هقولك إني مش عايزاه ييجي؟ هو أنا عمري منعتك من حد بتحبه؟” قلت: “لأ.” قالت: “طب ليه أعمل حاجة زي دي؟ وليه أعرّض نفسي للخوف والإحراج كل مرة؟” ماعرفتش أرد. قربت مني، وعيونها بدأت تتملي دموع.

“يا عمر، أنا عارفة إن الموضوع غريب، وعارفة إنك مش فاهم، بس أرجوك ماتخلينيش أحس إني متهمة في بيت المفروض يكون أماني.” الكلام وجعني، فحضنتها واعتذرت لها. لكن رغم اعتذاري، فضلت الحيرة موجودة. تاني يوم الصبح، وأنا رايح الشغل، قررت إني مش هفضل طول عمري عايش في الشك.

لازم أعرف الحقيقة بنفسي. اتصلت بخالد وقلت له إني عايزه ييجي البيت بعد الضهر، لأن عندي موضوع مهم لازم نتكلم فيه. رفض في البداية وقال: “يا عمر، بلاش نكرر اللي حصل.” لكنني أصريت. قلت له: “تعالى، وأنا هكون موجود. ومش هسيب الموضوع ده مفتوح أكتر من كده.

” وافق أخيرًا. رجعت البيت قبل المعاد، وقلت لمريم إن عندي شغل ضروري وهضطر أنزل تاني، وإن خالد ممكن يعدي عليها شوية. بصتلي باستغراب. “إنت مش كنت رايح الشغل؟” قلت: “أيوه، بس عندي مشوار تاني.” ماحبيتش أكذب عليها أكتر من كده، لكنني كنت مصمم أشوف اللي بيحصل.

نزلت من الشقة، واستنيت شوية في الشارع، وبعدها رجعت بهدوء وفتحت الباب بالمفتاح. دخلت من غير ما أعمل صوت، وقفلت الباب ورايا بالراحة. الشقة كانت هادية. سمعت صوت مريم في المطبخ وهي بتتكلم مع يوسف، وبعدها سمعت صوت خطواتها وهي بتروح ناحية الصالة.

دخلت ورا الستارة التقيلة اللي جنب الشباك، ووقفت في مكان يخليني أشوف باب الشقة بوضوح. قلبي كان بيدق بسرعة، وإيدي كانت بتترعش. ماكنتش عارف أنا بعمل إيه بالضبط، لكن كنت محتاج أعرف إذا كان في حاجة بتحصل قدامي وأنا مش واخد بالي منها.

بعد حوالي عشر دقايق، سمعت خبط على الباب. مريم قالت: “مين؟” جاء صوت خالد من بره: “أنا يا مريم، خالد.” سكتت لحظة، وبعدها سمعتها بتقرب من الباب. خطواتها كانت بطيئة، وكأنها بتفكر إذا كانت تفتح ولا لأ. وبعدين سمعت صوت المفتاح وهو بيلف.

الباب اتفتح. خالد كان واقف بره، شايل كيس صغير في إيده. قال: “إزيك يا مريم؟ عمر موجود؟” ردت بصوت منخفض: “لأ، قال إنه نازل مشوار.” خالد بص وراه في الطرقة، وبعدها دخل خطوة واحدة. وفي اللحظة دي، حصلت حاجة ماكنتش أتخيلها حتى في أسوأ كوابيسي.

اتجمدت مكاني. مريم حطت إيدها على بقها، وبدأت تعيط. قالت له: “أرجوك يا خالد، مش دلوقتي.” رد عليها وهو بيهز راسه: “لأ، لازم دلوقتي. عمر بقى شاكك فيكي، وأنا مش قادر أستحمل أكتر من كده.” مريم قربت منه بسرعة وقالت: “إنت وعدتني إننا مش هنفتح الموضوع ده تاني.

” خالد رد بصوت مليان وجع: “أنا وعدتك إني مش هتكلم قدام عمر قبل ما تكوني مستعدة، لكن دلوقتي الموضوع خرج عن السيطرة.” حسيت إن رجلي مش شيلاني. إيه الموضوع اللي بينهم؟ وليه خالد بيتكلم معاها بالشكل ده؟

وليه مريم بتعيط كأنها شايلة سر تقيل بقالها سنين؟ كنت لسه بحاول أفهم، لما خالد مد إيده في جيبه وطلع صورة قديمة، حوافها كانت متنية ولونها مصفر من الزمن. مد الصورة لمريم وقال: “بصي عليها كويس، وقوليلي إنك لسه قادرة تفضلي مخبية الحقيقة عن عمر

” مريم بصت للصورة، وفجأة صرخت: “خالد! قلتلك ماتجيبش الصورة دي هنا!” الصوت كان عالي لدرجة إن يوسف خرج من أوضته وهو بيفرك عينيه. “ماما؟ إنتي بتعيطي ليه؟” مريم مسحت دموعها بسرعة، وجريت عليه وحضنته. “مفيش حاجة يا حبيبي، تعالى اقعد جوه شوية.

” خالد نزل على ركبته قدام يوسف، وحاول يبتسم له. “إزيك يا بطل؟” يوسف ابتسم له، وبعدها رجع لأوضته وهو شايل لعبته. أول ما اختفى، مريم رجعت تبص لخالد وقالت: “لو عمر عرف، كل حاجة هتتغير.” خالد رد: “يمكن كل حاجة تتغير فعلًا، بس مش معنى كده إننا نفضل نكدب عليه.

” ماقدرتش أستحمل أكتر من كده. خرجت من ورا الستارة فجأة، وقلت بصوت عالي: “كفاية!” الاتنين اتخضوا والتفتوا ناحيتي. مريم شهقت وحطت إيدها على صدرها، وخالد وقف بسرعة، والصورة وقعت من إيده على الأرض. بصوا لي كأنهم شافوا شبح. أنا نفسي ماكنتش عارف أبدأ منين.

بصيت لخالد، وبعدها لمريم، وقلت: “أنا عايز أفهم حالًا. إيه الصورة دي؟ وإيه الحقيقة اللي مخبيينها عني؟” مريم حاولت تتكلم، لكن صوتها خانها. أما خالد، ففضل ساكت، وعينيه مثبتة على الصورة اللي وقعت قدام رجليه. انحنيت والتقطتها.

كانت صورة قديمة لوالدي، واقف قدام بيتنا القديم، وورا منه أمي وهي شايلة طفل صغير ملفوف في بطانية بيضا. بصيت للصورة باستغراب. “دي صورة بابا وماما… إيه الغريب فيها؟” قلبت الصورة، ولقيت على ضهرها تاريخ مكتوب بخط أمي. كان

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى