قصص و روايات

مراتي بيغمي عليها

التاريخ قبل ولادتي بحوالي سبع سنين.

رفعت عيني لخالد وقلت: “إنت كنت لسه طفل وقتها؟” هز راسه ببطء. “أيوه.” قلت: “والطفل اللي في الصورة ده مين؟” خالد ما ردش. مريم بدأت تعيط أكتر، وقالت: “عمر، أرجوك اقعد.” صرخت فيها: “أنا مش هقعد غير لما أعرف الحقيقة!

أنا بقالي سنة كاملة مش فاهم إيه اللي بيحصل في بيتي. كل ما أخويا ييجي، إنتي بيغمى عليكي، ولما أواجهه يقوللي إنك بتمثلي، ودلوقتي ألاقيكم بتتكلموا عن سر وصورة قديمة! إيه اللي بيحصل؟” خالد قرب مني وقال: “اهدى يا عمر، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.

” ضحكت بمرارة. “أمال زي إيه؟ إنتوا الاتنين واقفين قدامي وبتعيطوا وبتتكلموا عن الحقيقة اللي هتغير كل حاجة. قولوا!” مريم قعدت على الكنبة، وغطت وشها بإيديها. خالد بص لها، وبعدها بص لي وقال: “عمر، أنا عايزك تسمع للآخر من غير ما تقاطعني، لأن اللي هقولهولك مش سهل عليا أنا كمان.

” قعدت على الكرسي اللي قصاده، وأنا ماسك الصورة. بدأ خالد يتكلم. “إنت فاكر إن بابا وماما كانوا عايشين في سعادة طول الوقت، وإن بيتنا عمره ما كان فيه مشاكل. لكن الحقيقة إن في حاجات كتير حصلت وإنت صغير، ومكنتش تعرف عنها حاجة.” قلت له: “زي إيه؟

” تنهد وقال: “قبل ما تتولد، بابا وماما كانوا بيحاولوا يخلفوا طفل تاني بعدي. حصلت مشاكل كتير، وماما كانت بتدخل المستشفى باستمرار، وفي مرة الدكتور قال إن الحمل بقى صعب وخطير عليها.” سكت لحظة، وبعدها كمل: “بعدها بكام سنة، بابا قرر إنهم يكفلوا طفل صغير من دار رعاية، وكان نفسه يكون عنده ولد تاني يربيني معاه.

ماما وافقت، لكن الإجراءات ماكملتش، والموضوع انتهى قبل ما الطفل يدخل حياتنا.” بصيت للصورة وقلت: “طيب والطفل ده إيه علاقته بمريم؟” خالد نزل عينيه. “استنى يا عمر، لسه.” كمل كلامه وقال إن بعد فترة قصيرة، أمي اكتشفت إنها حامل بيا، وإن البيت كله انشغل بقدومي، وإن موضوع الطفل اللي كانوا بيفكروا يكفلوه اتقفل تمامًا.

لكن بعد وفاة أبويا، حصلت حاجة محدش كان بيتكلم عنها. أمي لقت ورق قديم متعلق بالموضوع، وحاولت تعرف مصير الطفل اللي كانوا بيفكروا ياخدوه، لكنها ماوصلتش لحاجة واضحة. خالد قال إنه احتفظ بالصورة دي لأنها كانت آخر ذكرى من الفترة دي، وإنه ماكانش يعرف أي حاجة عن الطفل بعد كده.

بصيت له وأنا بدأت أفقد صبري. “كل ده جميل، لكن إيه علاقة الكلام ده بمراتي؟” خالد بص لمريم، ومريم كانت بتبص للأرض. وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم ينسحب من وشي. “الطفل اللي في الصورة مش هو السر يا عمر… السر إن مريم تعرف الحكاية دي من قبل ما تتجوزك.

” لفيت ناحية مراتي. “إنتي تعرفي إيه يا مريم؟” مريم رفعت وشها، وكانت دموعها بتنزل من غير توقف. قالت: “أنا ماكنتش أعرف حاجة عن الصورة دي، ولا عن موضوع الكفالة. أنا عرفت جزء من الحقيقة من سنة تقريبًا، لما خالد جه عندنا لأول مرة.

” قلت: “عرفتي إيه؟” بصت لخالد، وبعدها رجعت بصت لي. “عرفت إن في حاجة تخص عيلتك، وإن خالد كان خايف يقولك.” حسيت إن الدنيا بتلف بيا. “يعني إنتي كنتي عارفة إنه مخبي عني حاجة؟” قالت بسرعة: “أيوه، بس ماكنتش عارفة كل التفاصيل.

” بصيت لخالد. “وإنت يا خالد؟ إنت كنت جاي بيتي عشان تقول لمريم سر عني؟” هز راسه وقال: “أنا كنت جاي أحذرها من حاجة، لكن الموضوع اتعقد أكتر مما توقعت.” صرخت: “تحذرها من إيه؟” خالد أخد نفس طويل، وبعدها قال: “من إنك تعرف إن أمك قبل ما تتوفى كانت بتدور على بنت اسمها نادية.

” سكتت مريم فجأة. أنا ماكنتش أعرف أي نادية. قلت: “مين نادية دي؟” خالد رد: “بنت كانت بتشتغل عند أمك في البيت زمان، وكانت قريبة منها جدًا. اختفت من حياتنا من سنين طويلة، وبعد وفاة أمك، لقيت جواب مكتوب بخطها، كانت بتطلب مني فيه إني أدور عليها لو حصل لها حاجة.

” بصيت له باستغراب. “وليه ماقولتليش؟” رد: “لأني حاولت أدور عليها ومقدرتش أوصل لها. وبعدها اتجوزت إنت، والدنيا شغلتنا، ونسيت الموضوع.” مريم كانت بتعيط في صمت. لفيت ناحيتها. “إنتي تعرفي نادية؟” هزت راسها ببطء. “أيوه.” وقفت من مكاني. “إزاي؟” قالت بصوت ضعيف: “نادية دي أمي.” حسيت إن الكرسي بيتحرك من تحتي.

“أمك؟” هزت راسها وهي بتعيط. “أيوه يا عمر. أمي كانت بتشتغل عند عيلتك من سنين طويلة، وكانت بتحكيلي عن الست اللي كانت بتعاملها كويس، وعن ابنها خالد، وعن طفل صغير كانت بتحبه جدًا.” بصيت لخالد. هو كمان كان مصدوم، وكأنه بيسمع المعلومة دي لأول مرة.

مريم كملت: “أمي كانت سابت الشغل عندكم قبل ما أنا أتولد، وبعدها اتجوزت أبويا وعاشت بعيد عنكم. طول عمرها كانت بتقول إن في عيلة طيبة كانت بتساعدها، لكنها عمرها ما كانت بتحب تحكي تفاصيل كتير.

” قلت لها: “طيب إيه اللي حصل من سنة؟” مريم مسحت دموعها وقالت: “من سنة، أمي تعبت جدًا، وقبل ما تتوفى بكام يوم، طلبت مني أفتح صندوق قديم عندها. لقيت فيه صور وخطابات، ومن ضمنها صورة لوالدك ووالدتك، وصورة لخالد وهو صغير.” خالد قرب منها بسرعة.

“إنتي عندك صور ليا وأنا صغير؟” مريم هزت راسها. “أيوه. وكانت في جواب مكتوب من والدتك لأمي، بتقول لها فيه إنها مش هتنسى أبدًا وقفتها جنبها في أصعب أيام حياتها.” أنا كنت واقف مش قادر أستوعب. مريم كملت: “لما خالد جه عندنا أول مرة، شاف الصورة اللي كانت معايا بالصدفة.

اتصدم، لأنه عرفها على طول. ساعتها أنا اتخضيت، وحسيت إني واقفة قدام جزء من ماضي أمي كنت معرفش عنه حاجة.” بصيت لخالد. “طيب ليه أغمي عليها؟” خالد رد بصوت هادي: “لأنها لما شافتني، افتكرت أمها والكلام اللي سمعته منها قبل ما تمـ,ـوت.

كانت بتقول إنها نفسها تشوفني مرة، وتشكرني على حاجة عملتها زمان.” قلت: “إنت عملت إيه؟” خالد سكت. مريم بصت له، وبعدها قالت: “خالد كان ساعد أمي زمان في موقف صعب جدًا، وهو طفل، ومن يومها أمي فضلت فاكرة الموقف ده طول عمرها.

” خالد هز راسه وقال: “أنا فاكر جزء من الحكاية، لكن مش فاكر التفاصيل كلها. كنت صغير، وأمي كانت بتساعد ناس كتير. اللي فاكره إن نادية كانت تعبانة جدًا في يوم، وإن أمي خلتها ترتاح عندنا، وأنا كنت بجيب لها المية والأكل.

مكنتش أعرف إن الموقف ده فضل في ذاكرتها بالشكل ده.” بصيت لمريم وقلت: “يعني إنتي كنتي بتغمى عليكي لأنك بتفتكري أمك؟” قالت: “أنا نفسي كنت فاكرة كده في الأول. لكن الحقيقة إني كل مرة كنت بشوف خالد، كنت بحس بخوف شديد مش قادرة أفسره.

وأنا والله ماكنتش عايزة غير إني أفهم حكاية أمي.” خالد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه. “وأنا غلطت يا عمر. بدل ما أقولك من الأول إن في حاجة غريبة حصلت، خوفت إنك تفهم الموضوع غلط، فبدأت أفسر تصرفات مريم بطريقة ظالمة.

” بصيت له بوجع. “إنت اتهمت مراتي إنها بتمثل.” هز راسه وقال: “عارف، وأنا ندمان.” سكتنا كلنا. لكن وسط كل الكلام ده، كان في سؤال لسه معلق في دماغي. ليه الإغماء كان بيحصل بالشكل المفاجئ ده؟ وليه مريم نفسها ماكنتش قادرة تسيطر عليه؟

قررت إني مش هكتفي بتفسيراتنا. تاني يوم، أخدت مريم وروحنا لدكتور متخصص، وحكيت له كل اللي حصل بالتفصيل. طلب منها تسجل الأعراض اللي بتحس بيها قبل الإغماء، وتعمل فحوصات إضافية، وأكد إننا ماينفعش نفترض إن السبب نفسي أو عصبي من غير تقييم دقيق.

وبعد فترة من المتابعة، بدأنا نفهم إن مريم كانت بتتعرض لنوبات خوف شديدة مع بعض الأعراض الجسدية، وإن الخوف والضغط النفسي ممكن يكونوا جزءًا من المشكلة، لكن الإغماء نفسه محتاج متابعة طبية، خصوصًا لو اتكرر.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى