
بدأت مريم تتكلم عن اللي جواها بدل ما تكتمه. وحاولت أنا كمان أبطل أفسر كل حاجة على إنها خداع أو كذب. أما خالد، فكان أكتر واحد حاسس بالذنب. بعد كام يوم، جه البيت من غير ما يتصل قبلها، لكنه وقف قدام الباب فترة طويلة قبل ما يخبط.
لما فتحت له، لقيته شايل علبة صغيرة. قال لي: “أنا جاي أعتذر لمريم، ولو هي مش عايزة تشوفني، همشي من غير ما أزعل.” دخلته، وناديت مريم. خرجت من الأوضة، ولما شافته، وقفت مكانها للحظة. خالد حط العلبة على الترابيزة وقال: “دي حاجة لقيتها عندي من زمان، وافتكرت إنها ممكن تكون تخص والدتك.
” مريم فتحت العلبة بحذر. كان جواها جواب قديم، ومنديل مطرز عليه اسم نادية، وصورة صغيرة لوالدتي وهي قاعدة جنب سيدة شابة. مريم مسكت الصورة، وبدأت تعيط. “دي أمي.” خالد قال: “أمي كانت محتفظة بالصورة دي، وأنا لقيتها وسط حاجاتها بعد وفاتها. ماكنتش أعرف إن الست دي هي والدتك.
” فتحت مريم الجواب، وبدأت تقرأ بصوت متقطع. كان جواب من أمي لنادية، مكتوب فيه إنها ممتنة ليها، وإنها مش هتنسى أبدًا وقفتها جنبها في وقت كانت فيه لوحدها ومحتاجة حد يسمعها. وفي آخر الجواب، كانت أمي كاتبة: “لو الأيام فرقتنا، أتمنى أولادنا يعرفوا إن المحبة الصادقة مش بتضيع، وإن المعروف اللي بنعمله من قلبنا ممكن يفضل عايش بعدنا بسنين.
” مريم حطت الجواب على صدرها، وفضلت تبكي. وأنا، لأول مرة من شهور، حسيت إن في جزء من الصورة بدأ يكتمل. لكن القصة ما انتهتش عند الجواب. بعد أسبوع، مريم اتصلت بيا وأنا في الشغل، وصوتها كان مختلف. قالت: “عمر، لازم تيجي البيت. لقيت حاجة في صندوق ماما.
” رجعت بسرعة، ولقيتها قاعدة على الأرض وسط مجموعة من الصور والجوابات القديمة. قدامها كان فيه ظرف بني صغير، مكتوب عليه اسمها بخط أمها. فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطوية بعناية. قالت لي: “أنا ماكنتش شفت الورقة دي قبل كده. كانت مستخبية في جيب داخلي في الصندوق.
” رجعت بسرعة، ولقيتها قاعدة على الأرض وسط مجموعة من الصور والجوابات القديمة. قدامها كان فيه ظرف بني صغير، مكتوب عليه اسمها بخط أمها. فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطوية بعناية. قالت لي: “أنا ماكنتش شفت الورقة دي قبل كده.
كانت مستخبية في جيب داخلي في الصندوق.” قعدت جنبها وبدأنا نقرأ. كان مكتوب فيها: “بنتي مريم، لو وصلتي للورقة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجودة جنبك. في حاجة فضلت مخبياها عنك طول عمري، مش عشان أخدعك، لكن عشان كنت خايفة أجرحك أو أخليكي تشيلي هم مش بتاعك.
أنا عشت سنين طويلة وأنا شايلة سر يخص الأيام اللي قضيتها في بيت الست الطيبة اللي اسمها أم عمر. في يوم من الأيام، حصل موقف غيّر حياتي، وكنت فاكرة إن الموضوع انتهى، لكن الحقيقة إنه لسه له أثر لحد النهارده.” مريم وقفت عن القراءة. بصيت لها وقلت: “كملي يا حبيبتي.
” كملت وهي بتترعش: “في اليوم ده، كنت شغالة في البيت، وسمعت الست أم عمر بتتكلم مع زوجها عن طفل صغير محتاج عيلة ترعاه. الطفل كان وحيد، وماكانش عنده حد يسأل عليه. الست كانت نفسها تساعده، لكن ظروفها الصحية ماسمحتلهاش تكمل الإجراءات.
وأنا وقتها كنت حامل فيكي، وخايفة من المستقبل، وماكنتش أعرف إذا كنت هقدر أربيكي لوحدي ولا لأ.” مريم رفعت عينيها ليا. “عمر، أمي كانت بتتكلم عن الطفل اللي في الصورة.” رجعت أكمل القراءة. “بعد فترة، عرفت إن الطفل راح يعيش مع عيلة تانية، وارتحت لأنه لقى مكان آمن.
لكن بعد سنين، لما سمعت إن الست أم عمر توفت، حاولت أوصل لولادها عشان أقول لهم إنها كانت ست عظيمة، وإن المعروف اللي عملته معايا أنقذني في وقت كنت فيه محتاجة حد يقف جنبي.” الورقة كانت بتتكلم عن ذكريات قديمة، وعن علاقة إنسانية بين أمي ونادية، وعن طفل كانت العيلة بتفكر تساعده، لكن مفيش أي دليل إن الطفل ده له علاقة مباشرة بحياتنا الحالية.
ومع ذلك، كان في آخر سطر حاجة غريبة. “يا مريم، لو قابلتي خالد في يوم من الأيام، قولي له إن أمه كانت فخورة بيه، وإنه لازم يسامح نفسه على حاجة حصلت وهو صغير، لأنه ماكانش يعرف وقتها إن تصرفاته البسيطة هتفضل عايشة في قلوب الناس.
” بصيت لخالد لما حكيت له الكلام ده بعدين، ولقيته بيعيط. قال: “أنا فاكر اليوم ده دلوقتي.” سألته: “يوم إيه؟” قال: “كان في طفل صغير جه عندنا مع واحدة من العاملات في دار الرعاية، وكان خايف جدًا ومش راضي ياكل.
أنا كنت طفل وقتها، فقعدت جنبه ولعبت معاه، وأمي كانت بتقول لي إني خليته يضحك لأول مرة من أيام. يمكن نادية كانت موجودة يومها، ويمكن كانت بتراقب الموقف.” قلت له: “بس إنت ماكنتش تعرف إن الموضوع له علاقة بيها.
” قال: “أبدًا.” في اللحظة دي، فهمت إن أحيانًا المواقف الصغيرة اللي بنعملها من غير ما نفكر ممكن تفضل محفورة في ذاكرة حد طول عمره. لكن لسه كان عندي سؤال أخير. سألت مريم: “طب ليه كنتي بتخافي بالشكل ده كل ما خالد ييجي؟
لكن لسه كان عندي سؤال أخير. سألت مريم: “طب ليه كنتي بتخافي بالشكل ده كل ما خالد ييجي؟” مريم مسكت إيدي وقالت: “لأن أمي قبل ما تمـ,ـوت قالت لي إنها نفسها أشوف خالد وأشكره، وإنها كانت عايزة تسلّمه الجواب.
وأنا كنت خايفة من المواجهة، وخايفة أقولك إني عرفت عن عيلتك حاجات من غير ما تكون إنت عارفها. كل ما كان خالد ييجي، كنت بحس إني لازم أتكلم، لكن الخوف كان بيغلبني.” قلت لها: “كان ممكن تقوليلي من الأول.” قالت: “عارفة. وده أكتر حاجة ندمانة عليها.
” حضنتها وقلت: “إحنا المفروض نواجه أي حاجة سوا، مش كل واحد فينا يفضل شايل خوفه لوحده.” من اليوم ده، قررنا نبدأ صفحة جديدة. خالد بقى يزورنا بشكل طبيعي، ومريم بدأت تتعامل معاه براحة أكتر، ومع المتابعة الطبية، بقت تفهم أعراضها وتتعامل معاها بشكل أفضل.
لكن في يوم، وبعد ما افتكرنا إن كل حاجة انتهت، حصل موقف خلانا نرجع نفكر من جديد. كنت راجع من الشغل، ولقيت خالد قاعد في الصالة، ومريم واقفة قدامه، وبينهم صورة قديمة تانية. أول ما دخلت، خالد رفع عينيه ليا وقال: “عمر، إحنا لازم نتكلم في حاجة تخص أبوك.
” وقفت مكاني. “أبويا؟ ماله؟” خالد بص لمريم، وبعدها رجع بص لي. “الصورة اللي لقيناها مش آخر حاجة سابتها أمي. أنا لقيت جواب تاني في درج قديم، وكان فيه اسم شخص ماكنتش أعرفه.” قربت منهم، وقلبي بدأ يدق.
“مين الشخص ده؟” خالد طلع ورقة من جيبه، ومدها لي. كان مكتوب فيها اسم رجل، وتحت الاسم عنوان قديم في مدينة تانية. لكن اللي خلاني أتجمد مش الاسم. اللي خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي هو الجملة اللي كانت مكتوبة بخط أبويا في آخر الورقة: “لو عمر عرف الحقيقة دي في يوم من الأيام، لازم يسمعها مني أنا الأول.
” بصيت لخالد وأنا مش قادر أتكلم. “يعني إيه؟ بابا كان مخبي عني إيه؟” خالد قال: “أنا معرفش يا عمر. الجواب ده كان متخبي من سنين، ومش فاهم ليه أبويا كتب اسم الراجل ده، ولا ليه قال إنك لازم تسمع الحقيقة منه هو.
” مريم قربت مني وقالت: “إحنا مش لازم نستعجل. ممكن يكون الموضوع أبسط مما إحنا متخيلين.” لكن أنا كنت حاسس إن في حاجة أكبر بكتير من مجرد صور قديمة وجوابات. تاني يوم، أخدت العنوان وروحت أدور على الراجل.
وصلت لشارع قديم، فيه بيوت صغيرة ومحلات مقفولة، وسألت واحد من السكان عن الاسم المكتوب. الراجل فكر شوية، وبعدها قال لي: “أيوه، كان فيه راجل بالاسم ده عايش هنا من سنين، لكنه نقل من زمان. على حد علمي، ابنه لسه ساكن في المنطقة اللي جنبنا.
” شكرته وروحت العنوان التاني. بعد شوية، وصلت لبيت قديم، وخبطت على الباب. فتحت لي ست كبيرة في السن، سألتها عن الرجل، فقالت إنه متوفى من حوالي خمس سنين، لكن ابنه موجود في البيت. نادته، وبعد دقائق خرج راجل في أواخر الأربعينات. قلت له: “أنا عمر، ابن محمود منصور.




